العاطفة المباعة يمكن أن ترد

ماهى العاطفة؟ هى استعدادٌ نفسيٌّ ينزِعُ بصاحبه إِلى الشعور بانفعالات معيَّنة ،والقيام بسلوك خاصٍّ حِيالَ فكرة أَو شيء. أوجدها الله فى كل نفس ،ولكنها تتمايز بشكل كبير لدى كل من الإنسان والحيوان؛ فالحيوان يشعر بالألم والخوف أوالأمان والرضا عند تحقق احتياجاته الأولية ،ولكن مهما ارتقت مشاعره ،لن تصل أبدًا إلى مراتب الإنسانية؛ فقد حبا الله الإنسان بما هو أعظم وأجل.
ولكن ماذا يحدث عندما نبخس من قيمة مشاعرنا؟ وما قيمة عواطفنا عندما يتم تسليعها؟! ونصورها فى هيئة سلعة؟! كالبضاعة تباع وتشترى؛ فتصبح مقنعة بقناع المادية! ولا نكتفى بهذا بل نقنع عقولنا بأن تمام سعادتنا فى هذا!
مشاهد متكررة نراها يوميًا وباستمرار، عائلة مجتمعة تسودها أجواء الألفة والمحبة ولكن هذا مرتبط بما على مائدته بما لذ وطاب من طعام وشراب، أصحاب مجتمعون يقضون وقتًا طيبًا؛ تتخللهم الضحكات والابتسامات ولكن هذا لا يتم إلا بشراء المشروب الفلانى أو الذهاب للتبضع أو المطعم! كأنّ هذا سبب صحبتهم واجتماعهم ليس إلا! تلك المشاهد تُعاد وتتكرر بإلحاح وبقسوة. قد تتغير تفاصيلها ولكن يظل إجمالها واحد وهو “التسليع” تسليع قيمنا، ومشاعرنا الإنسانية. هذا التكرار فى النهاية سينطبع فى أنفسنا ويمتد ليحيط بأفكارنا ويشكلها كما يحلو له ،فتكون المادية هى السمة الغالبة لقرارتنا وأفعالنا كأنما حلت ماكينة صرف آلى محل العقل، فإذا نظرنا إلى شخص ما وقيَّمناه، فربما نغض النظر عن أفعاله وسلوكه ولكن لا محالة أن نغض النظر عما يعتمر به جيبه!
فى كل لحظة تفيض علينا الحياة المادية بمختلف الأشكال والألوان من الأشياء ،وتحاول جاهدة أن تخلق لها سوقًا رائجًا فى قلوبنا ،ولاتكل ولاتمل من أن تُصور لنا أن تلك أقصى أمانينا ولن تصير الحياةُ حياة إلا باتباعها، إذا انجرفنا إلى تلك الأمواج التسليعية فى النهاية سنصل إلى جزيرة خاوية ،ولن نجد ما ننتظره من سعادة بها بل سيضل بنا السبيل، وما كان يحقق لنا تلك اللذة الوقتية الُمحصَّلة فيما سبق ونراه غاية آمالنا بالأمس، أصبح لا يرضى غرور رغباتنا اليوم ،وبتكرارها ستصير شيئًا أقل من العادى، بل تصبح باعثة على الملل! وسنسعى إلى ما هو أكثر وأكثر لتحصيل اللذة السابقة .
الله لا ينظر إلينا بناء على ما يدخل جوفنا من مأكل ومشرب ولا بناء على “ماركة” أحذيتنا ولكن بناء على ما نجاهد به أنفسنا لنصبح عباده الراغبين برحمته ،والساعين إلى رضاه بناء على أعمالنا فى دنيانا.
لو استرجعت أصفى لحظاتك وأسعدها؛ سَيمر بمخيلتك المكان وصحبتك وأحاديثكم والتفاصيل التى ساعدت فى أن تصطفى تلك اللحظات لتدخل حيز البهجة من ذاكرتك ،ولكن أشك كثيرًا أن يكون منتجًا بعينه يأتى ليحتل تلك الصورة السعيدة ،وصوت فى الخلفية يقول “سعادتك لن تكتمل إلا بهذا! “.
علينا أن نتوقف برهة فقط لا أكثر! هل حقًا هذا الطعام أو الشراب الفلانى أو العلانى هو سبب الجو العائلى المحبب؟! أو عند الذهاب إلى أى مكان، ما هو الرباط الذى يجمع قلوبنا ويؤلف بينها؟! هل هو ذلك المكان؟!إذا كانت الإجابة بنعم فما أوهاه من رباط! إن تلك العلاقات ستضمحل سريعًا لا محالة لما لها من أساس واهن؛ فتلك الأجواء الأسرية الصافية لا تحتاج إلا لأفراد يعلم كل منهم ما له وما عليه ويسعى إلى ما فيه صلاح عائلته، والصحبة الطبية لا تحتاج إلى التبضع وكيفية استغلال الخصومات الاستغلال الأقصى؛ بل تحتاج إلى أشخاص يكون الخير هو عماد تجمعهم والصدق هو رابطهم، يعين كل منهم الآخر على مافيه صلاح نفسه، وأنا هنا لا أستنكر إنفاق المال ولا أستنكر شراء ما غلا ثمنه من احتياجاتنا الأساسية -شريطة أن تكون من حاجاتنا حقًا- أيًا كانت، كل حسب رزقه و سعيه ولكنني أستنكر وبشدة أن يكون ذلك هو متمم عواطفنا، وأن يكون ذلك هو الترجمة لمشاعرنا من السعادة.
إذن ما الحل؟