فى مسألة القيادة والإتباع
فى عصرنا الحاضر وفى مجتمعاتنا وخاصة بعد تعرضها لكثير من الأحداث السياسية والمجتمعية فى السنوات الأخيرة، تعالت الكثير من الآراء التى وجدت طريقها للاستحسان والاعتقاد لدى الكثيرين عن عدم ضرورة وجود قيادة للمجتمع توجهه وتقوم بإرشاده، بل تعدى ذلك إلى وصفها بالميزة التى لا تجعل الأفراد خاضعين لتصورات أو أحكام أشخاص أو جماعات معينة وتزامن ذلك مع الدعوات المستمرة والملحة فى تعظيم قيمة الحريات الشخصية والفردية والدعوة للخروج خارج أى نطاق للسيطرة والتبعية المجتمعية تريد له توجيهه كيفما تشاء أو تفرض عليه قوانينها وآرائها الخاصة.
ولا يخفى علينا أن مصدر تلك الدعوات قد نمت وعلا صوتها بشدة عندما شاهد أفراد المجتمع شياع وانتشار مظاهر الفساد والظلم المجتمعى نتيجة لوضع ثقته واتباعه لأقوام أو جماعات كان يظن فيها العدالة والرشاد فإذا به يكتشف أنه سلم قياده لمجموعة من النخب الفاسدة من الظالمين والطغاة وأصحاب المصالح الخاصة، وزادت حدة المسألة عندما أصبحنا نواجه الكثير من الأفكار والعقائد المتطرفة التى تدعى لنفسها أحقية القيادة وتحاول فرض مفاهيمها وتوجهاتها على المجتمعات بالقوة، وتبلورت المسألة حتى وصلت لصورة نمطية فكرية خاطئة تحمل مظاهر للتعميم والثنائية مفادها رفض قضية القيادة وقضية الاتباع كليًا وصار هناك نفورًا عامًا وإنكارًا لتلك المبادئ وكأن لسان الحال يقول أن تلك النتيجة حتمية وستؤول إلى نفس نتائجها السلبية مهما كانت طبيعة القيادة وطالما كان هناك تسليم واتباع، إذن فلنحيا هكذا أفرادًا وليتبع كل فرد ما شاء من قواعد وضوابط يراها صالحة بنفسه.
من أجل هذا الغرض نحاول تحليل مدى صحة تلك الدعوات من عدمها والبحث وراء مفهومين فى غاية الأهمية، ألا وهما مفهوما القيادة وما يترتب عليها من مفهوم التبعية أو الاتباع، فهل تعتبر فعلا مسألة القيادة مسألة غير ضرورية ويستطيع المجتمع أن يعيش ويتحرك ويتطلع إلى تحقيق النهضة والاكتمال بدونها؟ وهل مسألة الاتباع مكروهة ومرفوضة بالجملة؟ وما هى الشروط المطلوب تحققها فيهما إذا توصلنا لضرورتهما وأهميتهما؟
في مسألة القيادة:
مقدمة أولى:
إن الإنسان بطبعه لديه ميل فطرى وغريزى نحو التكامل لأن يكون إنسانًا أفضل وأحسن، وهو فى سعى دائم نحو بلوغ السعادة، هذا الإنسان سيتوجه بشكل طبيعى وفطرى نحو البحث عن أسباب تلك السعادة ليعمل على الأخذ بها وتحقيقها، ولما كان الإنسان جاهلًا بذاته وفقيرًا بذاته فهو لا يولد عالمًا وقادرًا بل يحتاج لتحصيل العلم وامتلاك أسباب القدرة، ومن ضمن ذلك العلم معرفة أسباب السعادة الحقيقية وامتلاك القدرة على تحقيقها، لذا فهو فى حاجة للمعلم والمرشد والموجه بالإضافة إلى حاجته للوسائل والأدوات التى تعينه على فرض وتحقيق أسباب السعادة والتكامل.
مقدمة ثانية:
الإنسان اجتماعى (مدنى) بطبعه، فلا يوجد إنسان يستطيع أن يقوم على توفير احتياجاته المادية منها أو حتى المعنوية بشكل منفرد وبدون تدبير ومعاونة غيره من أفراد المجتمع، وذلك نتيجة لوجود الفوارق الشخصية والفردية بين الناس مما يجعل كل فرد – مهما بلغت قدرته وطاقته – قادرًا على التخصص فى أمر ما يجيده ويحسنه وغير قادر على الإتيان بكل الأمور جميعها وإتقانها معًا، لذلك فهو فى حاجة إلى المجتمع الذي يتعاون أفراده من أجل سد حاجات بعضهم بعضا، فنجد المجتمع يحتاج للمزارع والمعلم والطبيب والمهندس والمخترع وهكذا.
نتيجة:
ثبت من تلك المقدمتين أن كل فرد يحتاج لغيره، ويحتاج لتكوين علاقات مع غيره من أفراد المجتمع من أجل تحصيل كمالاته المادية والمعنوية، ولما كان الخير يطلب لذاته، كان طبيعيًا أن يسعى كل فرد لتحصيل ذلك الخير حتى لو كان على حساب غيره فهو يسعى للحصول على أكبر قدر متوفر ومتحقق منه، كما أن كل فرد قد يرى العدل فيما كان حقًا له ويرى الظلم فيما كان واجبًا منه تجاه الآخرين، مما سيؤدى إلى التنازع والتزاحم والتضارب فيما بين أفراد المجتمع ومصالحهم وإلى حدوث الفساد والفوضى وبالتالى لا يتحقق الغرض المطلوب أصلًا من قيام المجتمع من تأمين المنافع للأفراد، من أجل ذلك أصبح المجتمع يحتاج إلى أن يحدد حاجاته لأن عدم رعاية الحدود سيؤدى لا محالة إلى التصادم مما يهدد الحياة الاجتماعية نفسها ويتحول المجتمع إلى نقمة لا نعمة، بما يعنى الحاجة إلى نظام مجتمعى قادر على توفير وسائل السعادة والتكامل فى المجتمع ككل، وتنظيم شؤون الناس وتوفير بيئة مناسبة للجميع بدون اعتداء أحد على حق الآخر وبدون أن يأخذ ما ليس حقًا له، باختصار أصبح المجتمع يحتاج إلى النظام العادل القادر على تحقيق التكامل المجتمعى والرشد الأخلاقى والانتصاف والإيثار بين جميع أفراده والذى يصعب بل يستحيل تحقيقه دون نظام يجمع أمرهم فى المصالح العامة، ذلك أن تحرك الإنسان الفرد وسعيه إلى الكمال لن يستقيم لكل فرد بخصوصه، بل يحتاج إلى منظومة مجتمعية تعمل على تحقيق ذلك لكل أفراد المجتمع بشكل منظم وشامل، وهو ما لا يختص به عصر دون آخر وليس محدودًا بزمان أو مكان معين بل إن المجتمعات البشرية كافة على مدار التاريخ تحتاج إلى هذا النظام.
يقول ابن سينا (من المعلوم أن الإنسان يفارق سائر الحيوانات بأنه لايحسن معيشته لو انفرد وحده شخصا واحدا، يتولى تدبير أمره من غير شريك يعاونه على ضرورات حاجاته، وأنه لا بد أن يكون الإنسان مكفيا بآخر من نوعه، يكون ذلك الآخر مكفيا به وبنظيره، فيكون مثلا هذا ينقل إلى ذلك، وذلك يخبز لهذا وهذا يخيط للآخر والآخر يتخذ الإبرة لهذا، حتى إذا اجتمعوا كان أمرهم مكفيا، ولهذا ما اضطروا إلى عقد المدن والاجتماعات..
وإذا كان هذا ظاهرا، فلابد فى وجود الإنسان وبقائه من مشاركة، ولا تتم المشاركة إلا بمعاملة، كما لا بد فى ذلك من سائر الأسباب التى تكون له، ولابد فى المعاملة من سنة وعدل. ولابد للسنة والعدل من سان ومعدل، ولابد أن يكون هذا بحيث يجوز أن يخاطب الناس ويلزمهم السنة، ولا بد من أن يكون هذا إنسانا. ولا يجوز أن يترك الناس وآراءهم فى ذلك، فيختلفون ويرى كل منهم ماله عدلا وماعليه ظلما.)[1]
ويؤكد على هذا المعنى ما ذكره الفارابى فى كتابه السياسة المدنية فيقول (والإنسان من الأنواع التى لا يمكن أن يتم لها الضرورى من أمورها ولا تنال الأفضل من أحوالها إلا باجتماع جماعات منها كثيرة فى مسكن واحد. والجماعات الإنسانية منها عظمى ومنها وسطى ومنها صغرى. والجماعة العظمى هى جماعة أمم كثيرة تجتمع وتتعاون. والوسطى هى الأمة والصغرى هى التى تحوزها المدينة.. وهذه الثلاثة هى الجماعات الكاملة.. فالمدينة هى أول مراتب الكمالات )[2]
من أجل ذلك أصبح يبدو بديهيًا أيضّا أن هذا النظام يحتاج إلى قائد ومنظّم قادر على إدارة هذا المجتمع بما يؤدى به إلى كماله ويحقق فيه العدالة، والحديث هنا ليس عن شكل هذا القائد فردًا كان أو حكومة أو نظام سياسى بعينه فذلك ربما يحتاج إلى بحث من نوع آخر، ولكن تكفى إثبات أهمية الحاجة إلى وجود قيادة ما، وبالتالى إسقاط الدعوات التى تحث على الفردية وإنكار النظم المجتمعية.
صفات القيادة:
أن هذه القيادة أيًا ما كانت تحتاج أن تتوفر فيها عدة صفات تجعلها قادرة على أداء مهمتها من إدارة وضبط المجتمع، هذه الصفات يمكن استنتاجها مما سبق فى أنها تحتاج إلى:
- العلم بما كان فيه صلاح وفساد المجتمع وبما يحقق له العدالة ويرفع عنه الظلم.
- توفر الصفات الأخلاقية والعدالة والنزاهة فيمن يقوم على تطبيق القوانين وإدارة المجتمع حتى لا يجنح بالأمر إلى استغلاله من أجل مصالح خاصة دون سائر المجتمع
- القدرة الإدارية والكفاءة فى القيام بالأمر بما تشمله من خبرات إدارية وسياسية واجتماعية وغيرها مما يساهم على تحقيق الهدف على أكمل وجه.
إن افتقاد أى من الشروط السابقة يفقد تلك القيادة شرطًا من أهم شروطها، فكيف يستقيم أن يقوم على الأمر من كان جاهلًا به أو عاجزًا عن تطبيقه! ولا يكفى توفر الشرط الأول بالعلم بما ينبغى أن يكون، بل إن وجود الشخص أو الجهة القادرة على تطبيق القوانين العادلة فى المجتمع بشكل صحيح وشامل هو أيضًا ضرورة، لذلك كانت الحاجة إلى الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله لهداية البشر إلى طريق العدل والصلاح ليكونوا بمثابة النور والمصباح الذى ينير الطريق فى ظل العتمة والظلام. فلم يكن النبى مجرد مبلّغ أو مفسر لشريعة الله وقوانينه – وهو الأعلم بما فيه فساد وصلاح المجتمع – إنما كان قائمًا على تنفيذها وإدارة المجتمع العادل من خلالها.
يقول الله سبحانه فى كتابه الكريم (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)[3]
والخلاصة أن من ينكر ضرورة وجود مجتمع ونظام وقيادة إنما يرجع أمره فى الحقيقة إلى أنه إنما يريد الحرية المطلقة دون حساب أو قيد، أو أنه من فئة الفاسدين والطغاة الذين لا يرغبون فى وجود نظام يقوم على المساءلة والحساب، أو إلى أشخاص عانوا من ظلم القيادات الجائرة فتحول الأمر لديهم إلى إنكار مفهوم القيادة بالكامل ورفضها. ومسألة القيادة وشروطها ترقى لكونها أمرًا عقلائيًا بديهيًا يحكم العقل الفطرى بضرورته وهو ما نراه يحدث حولنا طول الوقت من رفض عامة الناس والشعوب للقيادات والنخب الجاهلة أو الظالمة أو العاجزة عن القيام على أمرها ولكن حدثت المشكلة عندما لم يتم التفرقة بين رفض النموذج وبين رفض المبدأ فى ذاته، وتصح الدعوة عندما يتم تحديد أوجه الرفض فيمن لا تتوافر فيه الشروط والدعوة إلى ضرورة البحث عمن هو خير تمثيل لها لا إلى إنكارها تمامًا.
فى مسألة الاتباع:
تأتى مسألة التبعية والاتباع كنتيجة منطقية أيضًا لمسألة القيادة، فطالما توفر ذلك النموذج الصحيح للقيادة أصبح من المنطقى على المجتمع توليه واتباعه طالما ظل محتفظًا بشروطه وصفاته، ولو حدث أن حاد أو انحرف عنه أو طرأ عليه أى تغير أو تبدّل، وجب على هذا المجتمع العاقل أن يبحث عن غيره ممن تنطبق عليه الشروط التى أقرها العقل والتى تحكم بعدالة القائد وعلمه ومصداقيته.
فالاتباع المرفوض هو ما لم تتحقق فيه الشروط وإلا تحول إلى انسحاق وتبعية ظالمة أو انقياد أعمى، وفى ظل انحسار تلك النماذج، يصبح على كل فرد عاقل مكلف أن يبحث عمن يمكن له اتباعه وعن الأمة أو الجماعة الصالحة، فلن يرفع عنه العذر رفضه لأى قيادة بالجملة واتباع الأهواء والرغبات الشخصية، ولا من جهة أخرى تبعيته العمياء لأى ما كان من موروثات أو عقائد أو توجهات أو أفكار غير مبرهن على صحتها أو صدورها ممن لا يمثل مصدر العدالة والعلم، ليصبح المعيار هو الاتباع والانقياد العاقل المبنى على وعى وبصيرة لا رفض الاتباع المطلق. كما أنه فى حال تعذر إيجاد تلك الأمة أو انتفائها يصبح على كل فرد أن يبدأ بنفسه وأن يجعل من نفسه هو نموذج الأمة الصالحة للقيادة والاتباع. ولنا فى النبى ابراهيم عبرة عندما أعمل عقله فيما حوله ورفض اتباع الآباء والموروث واهتدى إلى طريق الحق فبدأ بنفسه. يقول الله جل وعلا (إن إبراهيم كان أمّة قانتا)[4]
[1] النجاة فى الحكمة المنطقية والطبيعية والإلهية، الشيخ الرئيس ابن سينا، تقديم : د.ماجد فخرى، ط دار الآفاق الجديدة بيروت صـ 338، 339
[2] السياسة المدنية الملقب بمبادئ الموجودات، الفارابى، المطبعة الكاثوليكية صـ 69
[3] قرآن كريم، سورة الحديد الآية 25
[4] قرآن كريم، سورة النحل الآية 120
